كنساء عصريات وعاملات، عادةً ما يكون جدول حياتنا اليومية مليئًا بالأنشطة والمواعيد والمهام التي لا نهاية لها. ولذلك كثيرًا ما نشعر بأننا غارقات تمامًا في دوّامة من العمل والأعباء اليومية التي تجعلنا مشتّتات الذهن، قلقات، غريبات وبعيدات عن أنفسنا وأعماقنا الحقيقية. ولذلك، ننشد الهدوء والاسترخاء بعيدًا عن وتيرة الحياة السريعة ومتطلباتها الكثيرة.
رحلة استعادة الصفاء والسكينة قادتني أخيرًا إلى الهند، وتحديدًا إلى مدينة دارامشالا التي تقع في شمال البلاد، وتتربّع على إحدى هضاب جبال الهيمالايا الشاهقة.
لقد حلمت كثيرًا وخططت طويلًا لهذه الرحلة، ولا سيّما أنني أمارس التأمّل مرتين في الأسبوع، ولكنني رغبت في تجربة أكثر عمقًا، وأحببت أن أكون محاطة بأشخاص يشاركونني الاهتمام نفسه.
الوصول إلى دارامشالا
مدينة دارامشالا ليست من المدن المشهورة في الهند. فهي صغيرة وليس فيها الكثير من المرافق السياحية أو التجارية، وهذا ما يجعلها مثالية لرحلات التأمّل والعودة إلى الذات. تتميّز بطبيعة جبلية خلّابة، إذ تتوسّط إحدى هضاب جبال الهمالايا. يمكن الوصول إليها بالطائرة من مطار دلهي، أو بالقطار.
مكان الإقامة
خلافًا للعادة عند القيام برحلات إلى بلدان جديدة، لم تكن إقامتنا في فندق، بل في "أشرم"، وهو عبارة عن مجموعة من البيوت الصغيرة المبنية بطريقة صديقة للبيئة، والتي تقتصر فيها الخدمات على ما هو ضروري فقط. فلا غسالة ملابس ولا تدفئة برغم البرد الشديد في الليل، ولا إنترنت أو أيّ نوع من وسائل الاتصال الأخرى. في هذا المكان، يمكنكم أن تنعزلوا تمامًا عن العالم الخارجي، لتقوموا برحلتكم الداخلية، وتتعرّفوا أكثر إلى ذواتكم، من خلال التأمّل.
التأمّل، الخطوة الأولى في الرحلة الداخلية
ورشة العمل التي اخترت المشاركة فيها هذا العام، كانت تدور حول موضوع "فن الحياة وفن الموت". وهو مفهوم أبدع في شرحه المعلم الهندي أوشو، وأساسه أن نكون حاضرين وواعين دائمًا، وأن نعيش اللحظة بدل أن نحيا دومًا في الماضي أو في المستقبل. وكلما زاد وعينا وإدراكنا لهذه الحقيقة، ازدادات حياتنا جودةً وتغيّرت طريقة تعاطينا مع مختلف ظروف الحياة التي تواجهنا. أما أفضل سبيل لتحقيق هذا الوعي، فيكمن في التأمّل. وللتأمّل تقنيات عدة تختلف بحسب أوقات النهار. ففي الصباح كنا نمارس التأمل الديناميكي، وعند الظهر تأمّل الكونداليني، وفي المساء كنا نقوم بالوايت روب. وبين هذه التقنيات، كنا نمارس أيضًا تقنيات مختلفة جديدة في كل يوم، وكان يقودنا في كل ذلك، معلم ألماني كان من التلامذة المقرّبين من أوشو قبل أن يغادر الأخير جسمه.
أما اللباس، فقد كانت له طقوسه الخاصة أيضًا. وهذه الطقوس لم تأتِ من عدم ولم تكن وليدة الصدفة أيضًا.
فخلال النهار، كنا نرتدي تصميمًا يجمع بين العباية والفستان، ويتميّز باللون الأحمر المائل إلى البنّي، وهو ما يُطلق عليه بالإنكليزية لون Maroon. وهذا اللون يرمز إلى الحياة والحركة، وإلى تعامد أشعّة الشمس بشكل عمودي مع الأرض. وفي لحظة التعامد تلك، يختفي الظل، ما يرمز إلى انعدام الوقت وإلى عيش اللحظة الآنية. أما في المساء، فكنا نرتدي اللون الأبيض، ولا سيّما خلال ممارسة تقنية الوايت روب White Robe، التي ترمز إلى السلام والاحتفال بالحياة والوجود.
في الحقيقة، من الصعب اختصار تلك التجربة التي عشتها بكلمات قليلة. فالاختبار الحقيقي يفوق الوصف، والنتيجة لا يمكن تعميمها على الجميع. فكل مشارك في ورشة العمل تلك، التي ضمّت أفرادًا من مختلف الجنسيات الأوروبية والآسيوية، تفاعل بطريقة خاصة ومختلفة عن غيره، وكل واحد منا عاد بتجربة خاصة، متسلّحًا بالكثير من المعنويات العالية وببعض الحكمة التي تسعفه على مواصلة الطريق بفرح أكبر وقلق أقل.