شهد عالم الموضة تحولاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد دور الأزياء الكبرى تقتصر على تقديم الملابس والإكسسوارات الجلدية، بل وسّعت نطاق اهتماماتها ليشمل قطاعات مختلفة مثل الفنون، المفروشات، والديكورات المنزلية. وقد أصبح من الشائع أن نرى علامات الأزياء الفاخرة تقدم مجموعات خاصة من الأثاث والتصاميم الداخلية، أو تتعاون مع فنانين عالميين لإطلاق قطع فنية محدودة الإصدار، تعكس رؤيتها الإبداعية وهويتها الجمالية.
في هذا السياق، أصبحت العديد من دور الأزياء العالمية تشارك في المعارض الفنية الكبرى، ومن أبرزها معرض آرت بازل (Art Basel)، الذي يُعدّ واحداً من أهم المعارض الفنية في العالم. تأسس هذا المعرض في عام 1970 في مدينة بازل السويسرية، وسرعان ما توسع ليشمل نسخاً في ميامي وهونغ كونغ وباريس. يجمع آرت بازل نخبة من الفنانين، والمعارض، وهواة جمع الأعمال الفنية، ويُعتبر منصة رئيسية لعرض الأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة، حيث يتم تقديم أعمال من مختلف الوسائط، بما في ذلك اللوحات، المنحوتات، الفيديو آرت، والتجهيزات الفنية.
أهمية آرت بازل تكمن في كونه ليس مجرد معرض فني، بل فضاء ديناميكي يجمع بين الإبداع، الثقافة والاقتصاد، مما يجذب إليه العلامات التجارية الفاخرة، بما في ذلك دور الأزياء التي تسعى إلى تعزيز حضورها في عالم الفنون. على سبيل المثال، تشارك دار لويس فويتون في معرض "آرت بازل هونغ كونغ" لهذا العام بتقديم مجموعة مختارة من أبرز أعمال الفنان الياباني الشهير تاكاشي موراكامي. هذه المشاركة ليست مجرد عرض لأعمال فنية، بل هي احتفاء برؤية موراكامي الإبداعية التي تمزج بين التراث الياباني، التقنيات الحديثة والفن الشعبي في تجربة بصرية فريدة من نوعها.
تاكاشي موراكامي: رؤية فنية تتجاوز الحدود
منذ التسعينيات، برز تاكاشي موراكامي كأحد أبرز الفنانين المعاصرين عالمياً بفضل أسلوبه متعدد التخصصات الذي يجمع بين تقنيات الرسم التقليدية اليابانية، الأنيمي، الخيال العلمي والثقافة الشعبية. عُرضت أعماله في أهم المتاحف والمؤسسات الفنية العالمية، بما في ذلك متحف الفن المعاصر في لوس أنجلوس، متحف غوغنهايم بلباو، متحف الفن المعاصر في شيكاغو، ومؤسسة تاي كوون كونتمبوراري في هونغ كونغ. كما تحتفظ مؤسسات مرموقة مثل متحف الفن الحديث في نيويورك ومركز بومبيدو في باريس بأعماله ضمن مجموعاتها الدائمة.
وُلد موراكامي في طوكيو خلال الستينيات ودرس في جامعة طوكيو للفنون، حيث تخصص في فن "نيهونغا" التقليدي الياباني. هذا التخصص أثّر بشكل كبير على تطويره لمانيفستو "السوبر فلات" الذي قدمه عام 2000، حيث قام بطمس الحدود بين الفن الراقي والفن الشعبي، وبين العمل التجاري والعمل المفاهيمي، وبين الجماليات اليابانية والغربية. ومن خلال هذا المفهوم، أبدع شخصيات ورموزاً شهيرة مثل زهوره الباسمة، العيون، الفطر، بالإضافة إلى شخصيات "مستر DOB" (1993) و"كايكاي وكايكي" التي تحمل طابعاً شبيهاً بالكائنات الخارقة في الفلكلور الياباني.
جناح لويس فويتون: بوابة إلى عالم موراكامي
يتميز جناح لويس فويتون في "آرت بازل هونغ كونغ" بتصميمه الفريد الذي يشبه حقيبة لويس فويتون العملاقة من المعدن اللامع، مبطنة بقماش أخضر حمضي. عند دخول الجناح، يستقبل الزوار تمثالان ضخمان "زوتشو-كون" و"تامون-كون" (2003)، إلى جانب عمل "سوبر فلات جيليفش آيز 1" (2003)، والتي تم عرضها سابقًا في مؤسسة لويس فويتون عام 2018.
يستمر استكشاف عالم موراكامي داخل الجناح من خلال مجموعة من الأعمال الجريئة التي تتراوح بين المنحوتات، الأعمال الطباعية والمنسوجات، بالإضافة إلى مجموعة من أفلامه الفنية المعروضة في غرفة عرض سرية داخل الجناح. كما تعرض الدار مجموعة من القطع التي صممها موراكامي بالتعاون مع لويس فويتون على مدار السنوات، بما في ذلك إصدارات معاد تقديمها من مجموعة "لويس فويتون × موراكامي 2025"، وقطع من مجموعة تراث لويس فويتون مثل "حقيبة مارلين مونوجرام مالتي كولور" (2003) و"مونوجراموفلاج" (2008)، والتي دمج فيها الفنان بين نمط التمويه الشهير ونمط المونوغرام الأيقوني للدار.
التزام لويس فويتون بالفن والإبداع
تعكس مشاركة لويس فويتون في "آرت بازل هونغ كونغ" التزام الدار العميق بالفن، وهو التزام بدأ منذ قرن تقريباً عندما بدأ غاستون-لويس فويتون، حفيد المؤسس، في تكليف الفنانين بتصميم قطع فنية خاصة للدار. ومنذ عام 1988، استمرت الدار في هذا التقليد من خلال التعاون مع أسماء فنية بارزة مثل سول ليويت، جيمس روزنكويست، سيزار وأولافور إلياسون. كما نظمت معارض لفنانين مثل صوفي كالي، دان فلافين، ألبرتو جياكوميتي، وجيرهارد ريختر في فضاءاتها الفنية "إسباس لويس فويتون". علاوةً على ذلك، أطلقت مشاريع فنية عالمية مبتكرة مثل تعاونها مع الفنانة اليابانية يايوي كوساما في عام 2022.
تجسد مؤسسة لويس فويتون، التي افتتحت في باريس عام 2014، التزام الدار برعاية الفنون والإبداع، حيث أصبحت أيقونة معمارية معاصرة صممها المهندس الشهير فرانك جيري، واستقطبت منذ افتتاحها ملايين الزوار من جميع أنحاء العالم.
موعد الحدث
يمكن لعشاق الفن والتصميم زيارة جناح لويس فويتون في "آرت بازل هونغ كونغ" بين 28 و30 مارس الحالي، وذلك في مركز هونغ كونغ للمؤتمرات والمعارض، إذ ستكون هذه التجربة فرصة استثنائية لاكتشاف تداخل الفنون الفاخرة مع الإبداع المعاصر في عالم تاكاشي موراكامي ولويس فويتون.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.